.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يوثق الصلة بين الصوم والسلوك

==========================================================

عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (من لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)(صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم)
هذا الحديث الشريف من أوضح الأدلة على الربط الوثيق بين العبادة وسلوك العابدين، والمقصود منه ليس الأمر بأن يدع صاحب قول الزور، والعامل به صيامه، وإنما معناه التحذير من قول الزور، وما ذكر معه، وأما قوله: (فليس لله حاجة) فمعناه ليس لله إرادة في صيامه، فوضع الحاجة موضع الإرادة، وهو مجاز عن عدم قبول الصوم. (فتح الباري، 4/117 و10/474)
فمن اغتاب، أو شهد زوراً أو منكراً يؤمر باجتناب ذلك، ليتم له أجر صومه.(التمهيد لابن عبد البر، 19/56)

نقاء سلوك الصائم
لا يقف الربط بين سلوك الصائم وعبادته على ما تضمنه الحديث أعلاه، بل الأدلة بالخصوص كثيرة، منها ما جاء في الحديث القدسي عن رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال الله: ( كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ له إلا الصِّيَامَ، فإنه لي وأنا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذا كان يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أو قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إني امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ من رِيحِ المِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا؛ إذا أَفْطَرَ فَرِحَ، وإذا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ) (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب هل يقول إني صائم إذا شتم )
فهذا الحديث يربط الصيام بسلوك الصائم، من خلال وصف الصيام بجُنة، بضم الجيم، ومعناه سترة، ومانع من الرفث والآثام، ومانع أيضاً من النار، ومنه المجن، وهو الترس، ومنه الجن لاستتارهم. (صحيح مسلم بشرح النووي، 8/30- 31)
ومن تعليل تفسير الجُنة بالوقاية والسترة، قيل: من المعاصي؛ لأنه يكسر الشهوة ويضعفها، ولذا قيل: إنه لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وقيل: جُنة من النار، وبه جزم ابن عبد البر؛ لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بها. (شرح الزرقاني، 2/262)
ويحث هذا الحديث أيضاً الصائم على أن ينقي سلوكه من الرفث والصخب، والرفث هنا الكلام القبيح، والتشاتم والخنا والتلاعن، ونحو ذلك من قبيح الكلام، الذي هو سلاح اللئام، ومنه اللغو كله، والباطل والزور. (التمهيد لابن عبد البر 19/54)
وحتى والصائم يواجه سلوكاً شائناً من مخالطيه، ينبغي له أن يراعي كونه صائماً، فيمنع نفسه عن الرد على الإساءة بمثلها، وإنما يرد في مثل هذا الحال بعبارة: (إني امْرُؤٌ صَائِمٌ) بما تعنيه هذه العبارة من دلالة على أثر الصيام الواضح في تهذيب سلوك الصائم.

الصوم عن الكلام والحلف
الصوم سلاح يتمترس به صاحبه في ظروف وأحوال عدة، فمريم عليها السلام لجأت إلى الصوم عن الكلام، بعد حملها بعيسى، عليه السلام، من غير نكاح، بقدرة الله عز وجل، وما كانت لديها حجة ظاهرة تقنع من يراها بهذه الوضعية؛ لأن ما جرى يفوق طاقة إدراك البشر، وعن نصحها باللجوء إلى الصوم، يقول تعالى: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً} (مريم:26)
ومعنى نذرها لله صوماً؛ أي صمتاً عن الكلام، وقيل يعني الصيام؛ لأن من شرطه في شريعتهم الصمت، وإنما أمرت بالصمت صيانة لها عن الكلام مع المتهمين لها. (التسهيل لعلوم التنزيل 3/4)
فالصوم عن الكلام يخدم في ظروف معينة أهدافاً سلوكية وأخلاقية نبيلة، وتتماشى مع هذا قواعد أخلاقية أرساها الرسول، صلى الله عليه وسلم، منها ما تضمنه قوله: (وَمَنْ كان يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أو لِيَصْمُتْ) (صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب كيف يستحلف)، وقوله الخاص بالحلف: (من كان حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أو لِيَصْمُتْ) (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره)

الاستعانة بالصوم لضبط النفس وتهذيب السلوك
ومن ميادين استخدام سلاح الصوم في ضبط الغريزة، وكبح جماحها، النصح به لمن لم يستطع باءة الزواج، فعن عَلْقَمَةَ قال: بَيْنَا أنا أَمْشِي مع عبد اللَّهِ، رضي الله عنه، فقال: (كنا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: (من اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فإنه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فإنه له وِجَاءٌ) (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة)
يقول ابن حجر في معنى (وِجَاءٌ) بكسر الواو، وهو رض الخِصْيتَين، وقيل رَضُ عروقهما، ومن يفعل به ذلك تنقطع شهوته، ومقتضاه أن الصوم قامع لشهوة النكاح، واستشكل بان الصوم يزيد في تهييج الحرارة، وذلك مما يثير الشهوة، لكن ذلك إنما يقع في مبدأ الأمر، فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك، والله أعلم. (فتح الباري، 4/119)
مما سبق تظهر صلة الصيام في تهذيب السلوك وضبطه، فهو يتعارض مع السلوك المنحرف أو الهابط، فالصائم لا يرفث ولا يصخب، ويرد على المسيء إليه بأدب جم، مما يعني لزوم التخلي عن مثالب السلوك لمن أراد لصيامه القبول، ومن ناحية أخرى فإن للصيام دور مهم يؤديه في الوقاية من آفات السلوك، ظهر ذلك جلياً في الحث على الصيام لمن لم يستطع الزواج، وفي اللجوء إلى الصوم عن الكلام عند مواجهة المهاترات وعقم الجدال.
سائلين الله أن يوفقنا لصيام شهره، على الوجه الذي يرضيه سبحانه، وأن يتقبل منا الصيام والصلاة والقيام، وأن يحشرنا مع نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
4 رمضان 1442هـ

تاريخ النشر 2021-04-16
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس