دار الإفتاء الفلسطينية - القدس
دار الإفتاء الفلسطينية - القدس


.:: خطبة الجمعة ::.

الذكرى الأربعون لضياع القدس

الخطبة الأولى :
   
 الحمد لله أحب لعباده أن يصدقوا في القول والعمل ، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119) .
وكره لعباده أن يقولوا ما لا يفعلون وجعل ذلك ممقوتاً مذموماً ، فقال جل من قائل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف:2-3) .
واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له يعلم خائنة الأعين  وما تخفي الصدور ولا يقبل من الأقوال والأعمال إلا ما كان خالصاً فهو جل شأنه أغنى الأغنياء عن الشرك.
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة وتركنا على بيضاء نقيه ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .
فصلاة الله وسلامة على الهادي البشير والسراج المنير وعلى آله الطاهرين المبجلين وعلى أصحابه الغر الميامين ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم واستن سنتهم إلى يوم الدين .
عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم وطاعته وأحذركم وإياي من عصيانه ومخالفة أمره، لقوله تعالى:(مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (فصلت:46) .
أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس ، يا أخوة الإيمان في كل مكان :
أربعون عاماً مضت على ضياع القدس ، وأي نكبة أو كارثة تحل بالأمة الإسلامية أكبر من هذه الكارثة التي تلت نكبة فلسطين الأولى وشردت أهلها لاجئين في الأقطار المجاورة وفي أقطار العالم .
إن احتلال القدس يا مسلمون يعني المس المباشر بجزء من عقيدتكم التي جسدتها معجزة الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ومن ثم العروج به إلى السموات العلى ، فقد غدت بوابة الأرض إلى السماء ، وأرض الطهر والرسالات والعزة والإباء والنقاء أسيرة العدوان الذي لا يرقب فيها ولا في أهلها إلا ولا ذمة ولا يقيم لأرض القداسة ومقدساتها وزناً بل يعيث فيها فساداً وتخريباً ودماراً .لحساب مخططات إجرامية بدأ بتنفيذها عشية الأيام الأولى للاحتلال بهدم حارة المغاربة والشروع بحفر الأنفاق في جميع الاتجاهات التي تحيط بجدران المسجد الأقصى ، وراح ينقب عن آثار وحضارة مزعومة وموهومة في محاولة لتزوير الحقائق وطمس التاريخ ، والعبث بالحضارة الإسلامية التي تشهد لها كل بلاطة وحجر في القدس بالأصالة والانتساب إلى حضارة العرب والمسلمين الذين عرفوا للقدس مكانتها ، فأولوها كل رعاية وعناية واهتمام ربطها بماضيها العربي الأصيل قبل الإسلام ، وصبغها بالصبغة الإسلامية بعد وصول المسلمين فاتحين لهذه الديار ، وقد نفذوا حكم الله بإسلامية هذه الديار ومسجدية مسجدها الأقصى الذي ربطه الله برباط عقدي من خلال معجزة الإسراء والمعراج، وبرباط تعبدي من خلال أمر الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين بشد الرحال إليه في قوله الشريف " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة  مساجد ، المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا "   رواه مسلم / حديث رقم 2475 .
أيها المسلمون :
ان الناظر الفاحص لأحوال أمتنا المنكوبة بضياع القدس يرى أحوال الأمة في تراجع نحو الضعف والفرقة وتشتيت الطاقات والانشغال بقضايا جانبية أو قطرية ، لا تعود على الأمة بخير لا بل تزيد من فرقة الصف وهدر الطاقات والهاء الأمة وشعوبها وإبعادها عن الأهداف المركزية التي من شأن الأمة إذا تفرغت لخدمتها والنهوض بها ان تفعل شيئاً للقدس وأهلها ، وأن توجه الجهود نحو حماية مقدساتها التي بات الخطر يتهددها من كل جانب لحساب المخططات الإسرائيلية التي نشرت وتنشر من خلال وسائل الإعلام المتعددة والتي لا تبقي عذراً لمعتذر من أبناء الأمة العربية والإسلامية ، بأنه يجهل ما يجري في مدينة القدس وما يحدق بحضارتها ومقدساتها ، لا بل بوجود أهلها وشعبها وسدنتها وحراس مقدساتها الذين يستهدفهم الاحتلال بالمضايقة والملاحقة لتهجيرهم وإقصائهم عن مواقع رباطهم لتخلو الساحة للاحتلال وتنفيذ مخططاته بأسرلة المدينة وتهويد معالمها وطمس حضارتها من اجل تحقيق العدوان المتمثل باعتبارها مركزاً لجذب اليهود وعاصمة أبدية مزعومة لأصحاب القرار السياسي في الكيان الإسرائيلي . الذين درجوا على زج القدس ومقدساتها ضمن برامجهم السياسية والحزبية لتحقيق مكاسبهم من خلال خلط هذه الأوراق وإدخال القدس ومقدساتها في بؤرة الصراع الدائم للأحزاب والقوى الإسرائيلية في الصعود والوصول إلى البرلمان الإسرائيلي ومن ثم إلى الحكومة الإسرائيلية .
أيها المسلمون ، يا أبناء ديار الإسراء والمعراج:
 وإذا كان الحال كذلك في الجانب الإسرائيلي المحتل للقدس والأراضي الفلسطينية ، فهل جعل العرب والمسلمون من القدس منذ النكبة إلى اليوم محور اهتمامهم وتنافسهم للعمل على تحريرها وإنقاذها من براثن الاحتلال ، علماً بأن القدس كانت ويجب ان تبقى عامل توحيد لجهود الأمة في تحقيق الوحدة لنصرة القدس والذود عن مقدساتها ولعل ما قام به القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي يعيد للأذهان كيف جعل هذا القائد من القدس وهمّ تحريرها هدفا سامياً لجمع كلمة الأمة وتوحيد صفوفها تحت راية واحدة غايتها عزة الإسلام وهدفها صون ديار المسلمين والذود عن مقدساتهم وكان له ذلك في حطين وبعدها فتح القدس . وقد سجل التاريخ بحروف من نور تلك المآثر والوقائع وجعلها نبراساً للسائرين نحو العزة من أبناء الأمة على امتداد عصورها وتباين أقطارها ،وليت خلف الأمة يسير على هدي سلفها الذين قالوا وفعلوا وصدقوا الله فصدقهم فكان النصر في ركابهم وتاج الغار فوق رؤوسهم.
وصدق الله العظيم : (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحج: من الآية40).
وصدق رسوله الكريم – صلى الله عليه وسلم -
" تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما ، كتاب الله وسنة رسوله " رواه مالك في الموطأ- حديث رقم 1395 .أو كما قال:
فيا فوز المستغفرين استغفروا الله وادع الله وانتم موقنون بالإجابة.
 الخطبة الثانية :
الحمد لله الهادي إلى الصراط المستقيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين واشهد ان لا اله إلا الله أحب لعباده أن يعملوا لدينهم ودنياهم حتى يفوزوا بنعم الله وينالوا رضوانه ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
وبعد... أيها المسلمون :
ولنا في الذكرى الأربعين لضياع القدس أن نسأل ماذا عملت الأمة خلال هذه العقود الأربعة من اجل إنقاذ القدس ؛ هل وظفت طاقاتها وإمكاناتها لهذا الغرض ؛ هل قامت على المستوى السياسي بتوحيد الموقف للضغط على الاحتلال والمجتمع الدولي لإجبار الاحتلال بالتوقف عن إجراءاته التعسفية بتغيير معالم القدس والاعتداء على مقدساتها ؛ وهل وظفت الأمة ثرواتها ووسائل إعلامها لخدمة هذه القضية المركزية من قضايا امتنا !وكيف يجب أن يكون التعامل مع هذه القضية وسائر قضايا العرب والمسلمين ؛ هذه القضايا التي برزت على الساحة العربية والإسلامية بعد احتلال القدس ؛ فقد كانت القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للبحث في القمم العربية والإسلامية يضاف إليها قضية كشمير أو أحوال المسلمين في الفلبين ، ألم تنشيء منظمة المؤتمر الإسلامي اثر الحريق المشؤوم للمسجد الأقصى عام ألف وتسعماية وتسعة وستين والتي انبثقت عنها لجنة القدس .
لقد أضيف إلى حالة التراجع العربي والإسلامي في الدفاع عن قضايا الأمة حالة الضعف والتمزق الذي تعيشه الأمة اليوم بعد ان غصت الساحة العربية والإسلامية بجملة من القضايا التي تؤرق شعوب الأمة ، كاحتلال العراق من قبل مغول العصر تحت شعارات العدالة وتحرير الشعوب من الحكام المستبدين ومحاولات تقسيم السودان بإثارة القلاقل والانفصال لبعض أقاليمه كما يجري في إقليم دارفور والغزو الأثيوبي للصومال ومحاولات إشاعة الفوضى والحرب الطائفية في لبنان واحتلال أفغانستان من قبل دول حلف الناتو ، زد على ذلك هذه الحرب الثقافية التي تستهدف ثقافة الأمة من خلال تشويه رموزها الدينية كوصف الإسلام وقرآنه ونبيه بالإرهاب وتغريب ثقافة الأمة التي تحمي ثوابتها وهي حرب اشد ضراوة من الحروب العسكرية التي تقاومها الشعوب وترحل جيوشها مهزومة ولو بعد حين ، ويتساقط بعدها المتآمرون والخائنون . ولله در القائل بحقهم :
على قدم العدو دمي ارتمى يبكي وينتحب
اصيح بهم : أيا اهلي فينكرني أخ وأب
أشك بأنهم قومي اشك بأنهم عربُ
 أيها المسلمون ... يا إخوة الإيمان في كل مكان :
أما آن لأمتنا بعد كل هذه الويلات والنكبات أن تفيق من غفلتها وتنهض من كبوتها وتثوب إلى رشدها وتأخذ طريق عزتها بإتباع كتاب ربها وتحيكم سنة نبيها والسير على هدي سلفها الصالح فنحن امة كما قالها الفاروق عمر: أعزنا الله بالإسلام ، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله
2007-06-08
جميع الحقوق محفوظة © دار الإفتاء الفلسطينية | 2026م - 1448هـ info@darifta.ps