دار الإفتاء الفلسطينية - القدس
دار الإفتاء الفلسطينية - القدس


.:: خطبة الجمعة ::.

حرمة دماء المسلمين

الخطبة الأولى:
الحمد لله أحل الحلال وحرم الحرام وجعل من الحرام حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم فقال تعالى:" وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً"(النساء: أية 92). وقال جل وعلا:"وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء: أية 93) .
وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، جعل العدوان على النفس الإنسانية كالعدوان على الإنسانية جميعها فقال تعالى:"مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً "(المائدة:آية 32) .
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وقدوتنا وشفيعنا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وتركنا على بيضاء نقيه ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فالصلاة والسلام على مبين الأحكام وهادي الناس الى سبل السلام وعلى آله الكرام وصحابته مصابيح الدجى وخيرة الأنام ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم واستنى سنتهم على الدوام.
عباد الله :
أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم وطاعته واحذركم وإياي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ"(فصلت:أية 46).
 أيها المسلمون، أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس:
تذكرنا حرمة الأيام المباركة من شهر ذي الحجة بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يؤدي فريضة الحج ويعلم المسلمين مناسك هذا الركن العظيم ويبين لهم حرمة الزمان والمكان والإنسان، فقد أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي بكرة نُفيع بن الحارث رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، ثم قال أي شهر هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال:" أليس ذا الحجة؟ قلنا بلى. قال: فأي بلد هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم. فسكت. حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس البلدة والبلدة هي مكة البلد الحرام- قلنا بلى. قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس يوم النحر؟ قلنا بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض الا ليبلغ الشاهد الغائب. فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه، ثم قال: ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ قلنا: نعم. قال: اللهم اشهد.
 اللهم انا نشهدك من علياء هذا المنبر الشريف اننا نبلغ كلام نبيك محمد صلى الله عليه وسلم لأبناء شعبنا ونناشدهم بهذا الوحي الكريم الذي عصمه الله من الهوى وجعله منهاجا لعباده المؤمنين وشريعة لأمة المسلمين أن يثوبوا الى رشدهم، و يحتكموا الى دينهم الذي حرم قتل النفس إلا بحق الله تعالى.
وينحصر هذا الحق في القصاص والزنى بعد الإحصان والردة بعد الإيمان، وسوى ذلك حرام يقود صاحبه الى الخسران في الدنيا والآخرة وهو ما نهى عنه نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله: الا فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض!
 أيها المسلمون يا أبناء أرض الإسراء والمعراج :
ان ما جرى من اقتتال بين الاخوة من أبناء شعبنا في الأيام الماضية وأدى إلى إزهاق الأرواح البريئة ليملأ النفوس بالألم والقلوب بالحسرة، ويندى له الجبين من العار والخجل. ويثلم شرف السلاح، ويطعن كرامة المجاهد.
ولقد أصاب القائل:
لمثل هذا يذوب القلب من كمد ان كان في القلب إيمان و إسلام
فبأي عذر يعتذر به المتقاتلون وهم يوجهون سلاحهم إلى صدور بعضهم بعضا؟
ألستم أبناء وطن واحد وشعب واحد وأتباع دين جعله الله رحمة للعالمين؟ وكنتم به خير أمة أخرجت للناس، وحزتم به شرف الانتماء للأولى سبقوا من أجدادكم المجاهدين الفاتحين لهذه الديار. فكونوا الأحفاد البارين بهم بتسجيل صفحة مشرقة في تاريخ الصمود والصبر والثبات والتراحم ولا تكونوا الأخرى فتسوّدوا وجه التاريخ وتبوءوا بغضب الله وتخسروا الحسنيين، و الله عز وجل يقول:"وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" (الأنفال:أية25)، ويقول تعالى: "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (الأنفال:أية46).فعلام التنازع والخلاف؟
أهو على أرض لا زالت ترزح تحت وطأة الاحتلال تفصلها الجدران وتعزلها الحواجز الاحتلالية! وتنادي أبناءها للوحدة علها تتنفس نسيم الحرية! أم هو على عارية مستردة من متاع الحياة الدنيا الزائلة،" وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ "(آل عمران: 185). فلا تسموا الأشياء بغير أسمائها لتحقيق منفعة حزبية أو فصائلية أو فئوية بانتهاك المحرمات وعلى رأسها استباحة الدم الفلسطيني.
فالحرام يبقى حراما كحرمة الشهر الحرام والبلد الحرام وكأني برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب الحجيج بقوله:وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدة إذا اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد انك قد بلغت وأديت ونصحت.رواه مسلم.
فهلا اعتصم ابناء شعبنا بكتاب الله تعالى الذي قرر الاخوة الإيمانية في قول الله تعالى:" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " (الحجرات:أية10).
فلتكن هذه الأخوة وازعا للعودة الى سبيل الرشاد والرحمة والمودة والتسامي فوق كل الخلافات والنزاعات رغم كل الجروح والآلام التي عانى منها كل أبناء الشعب خلال أيام المواجهة بين أبناء الشعب الواحد والسلاح الواحد.
 يا أبناء شعبنا المرابط :
إنه لموقف كريم وعظيم ومشرف ذاك النداء الذي انطلق من أسر الضحايا الذين سقطوا خلال المواجهات المؤسفة بين الاخوة يناشدون فيه الجميع احترام وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه وبمساعدة الخيرين من أبناء أمتنا وشعبنا.
ولله در القائل:
إذا احتربت يوما فسالت دماؤها  تذكرت القربى فسالت دموعها
فليكن شعار المرحلة قول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" متفق عليه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.
فيا فوز المستغفرين استغفروا الله
وادع الله وأنتم موقنون بالإجابة 
الخطبة الثانية:
الحمد لله الهادي الى الصراط المستقيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وأشهد أن لا إله الا الله أحب لعباده أن يعملوا لدينهم ودنياهم حتى يفوزوا بنعم الله، وينالوا رضوانه.
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وصحابته الغر الميامين ومن تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان الى يوم الدين.
أيها المسلمون يا أبناء ديار الإسراء و المعراج :
لقد حل علينا شهر ذي الحجة بأيامه ولياليه المباركة التي يضاعف الله فيها الثواب للعاملين والطائعين فاستغلوا مواسم الخير هذه بالأعمال الصالحة من صيام وقيام وذكر لله وحمد وتهليل وتكبير وأمر بالمعروف و نهي عن المنكر، وإصلاح النفس وإصلاح بين الناس، عسى الله أن يتوب علينا ويرحمنا برحمته الواسعة في الدنيا والآخرة. ومما يدل على مكانة هذه الأيام وأجر العمل فيها أن الله سبحانه وتعالى أقسم بها في كتابه العزيز فقال تعالى: " وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ " (الفجر:أية 2) .
ومن هذه الأيام يوم عرفة وهو يوم الحج الأكبر يؤدي المسلمون فيه ركناً عظيماً من أركان الإسلام، ويجتمع حجيجهم في صعيد عرفات الطاهر في جمع إيماني ومؤتمر إسلامي يتضرعون الى الله سبحانه وتعالى بقبول أعمالهم وغفران ذنوبهم وجمع كلمتهم على التوحيد والتقوى، ونسأل الله تعالى أن يمن علينا وعلى حجاج بيت الله الحرام وعلى المسلمين في كل مكان بالعزة والرفعة ووحدة الكلمة على البر والتقوى إنه نعم المولى ونعم النصير.
أيها المسلمون يا أبناء ديار الإسراء والمعراج :
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في فضل الأعمال الصالحة في هذه الأيام ما من أيام العمل الصالح فيها أحب الى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر. قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء. رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ومن الأعمال الصالحة في هذه الأيام الصيام وخاصة صيام يوم عرفة لغير الحاج لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "  أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده. وفي يوم النحر وهو اليوم العاشر من ذي الحجة يتقرب المسلمون الى الله بالأضاحي توسعة على العيال وتكريماً للأصدقاء وصدقة على الفقراء.
انها أيام كريمة عظيمة فهنيئا لمن اشغل نفسه فيها بعمل الخيرات وتقرب الى الله بسائر القربات.
يا أبناء ديار الإسراء و المعراج :
ما أحوجنا في هذه الايام العظيمة الى إصلاح أنفسنا والإصلاح بين اخواننا المتخاصمين ولعل هذا من أعظم الأعمال الخيرة في هذه الأيام التي تجمع المسلمين على طاعة الله تعالى في الحج والتطوع بالصيام والأعمال الصالحة.
وليكن منهاج عملنا في هذه الأيام ونحن نستعد لاستقبال عيد الأضحى المبارك على النحو الآتي:
أولاً: التأكيد على حرمة الدم الفلسطيني والعمل على حقنه استجابة لأمر الله تعالى وهدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: استمرار التزام أبناء حركتي فتح وحماس وهم اخوة العقيدة والسلاح والمصير بالاتفاق الخير على وقف القتال وعدم العودة الى ذلك. والاحتكام الى لغة الحوار فقط بديلا عن لغة السلاح.
ثالثاً: العمل الجاد والمخلص لتجاوز هذه المحنة التي تعصف أو تكاد بالوطن والمواطن، وهنا نناشد الجميع بلا استثناء في الساحة الفلسطينية للعمل على جمع الكلمة وتوحيد الصف للمحافظة على نقاء المسيرة التي اختطتها مواكب الشهداء على امتداد تاريخ قضيتنا الفلسطينية، ويرقبها آلاف الأسرى اللذين ضحوا بحريتهم من أجل حرية الوطن والمواطن.
 ولهؤلاء الأسرى نبعثها تحية إجلال واحترام فهم بحق نبض قلب الشعب والوطن، وليكن سداد القول رائد الجميع فالله يقول:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً"(الأحزاب70-71).
ويقول تعالى"وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" (التوبة:105).
2006-12-22
جميع الحقوق محفوظة © دار الإفتاء الفلسطينية | 2026م - 1448هـ info@darifta.ps