.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

أمره الله أن ينبه بأن الخبيث والطيّب لا يستويان - الحلقة الثالثة

==========================================================

{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}(المائدة:4)
وقفت الحلقة السابقة عند أهمية الإنفاق من الطيبات، فالله تعالى طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلا طَيِّبًا، وأمر الله المؤمنين بما أمر الرسل، عليهم السلام، به بالأكل من الطيبات، الأكل من الحرام يحول دون إجابة الدعاء، مما يعني الحث على الإنفاق من الحلال، والنهى عن الإنفاق من غيره.

إباحة الطيبات
في الآية الرابعة من سورة المائدة المثبت نصها أعلاه، يجيب رب العزة عن سؤال وجه إلى نبيه الأسوة محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، حول ما أحل للسائلين، طالباً إبلاغهم بالإجابة، المفيدة بأن ما أحل لهم هي الطيبات، والأكل مما يأتيهم من صيد الجوارح المعلمة، بعد ذكر اسم الله عليه، وفي آيات أخرى تأييد لإباحة الطيبات، فيقول عز وجل: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ...}(المائدة:5)
جاء في التفسير الكبير، أنه تعالى أعاد الإخبار عن أنه أحل الطيبات لغرض أنه في آية سابقة لهذه الآية من سورة المائدة نفسها ذكر:{...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً...}(المائدة:3)، فبين أنه كما أكمل الدين، وأتمم النعمة في كل ما يتعلق بالدين، فكذلك أتم النعمة في كل ما يتعلق بالدنيا، ومنها إحلال الطيبات، والغرض من الإعادة رعاية هذه النكتة.
ثم قال تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ}، وفي المراد بالطعام هاهنا وجوه ثلاثة:
الأول: أنه الذبائح، يعني أنه يحل لنا أكل ذبائح أهل الكتاب، وأما المجوس دون ذبائح الكفار.
والوجه الثاني: أنه الخبز والفاكهة، وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة، وهو منقول عن بعض أئمة الزيدية.
والثالث: أنه المطعومات جميعاً.
والأكثرون على القول الأول، ورجحوا ذلك من وجوه، أحدها: أن الذبائح هي التي تصير طعاماً بفعل الذابح، فحمل قوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} على الذبائح أولى، وثانيها: أن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب، وبعد أن صارت لهم، فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة، وثالثها: ما قبل هذه الآية في بيان الصيد والذبائح، فحمل هذه الآية على الذبائح أولى.(التفسير الكبير:11/115)

إنكار تحريم الطيبات
يُنكر الله جل في علاه المغالاة في التحريم، ومن ذلك تحريم الطيبات من الرزق، فيقول تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}(الأعراف:32)
فالله تعالى أمر في هذه الآية الكريمة نبيه، صلى الله عليه وسلم، أن يسأل سؤال إنكار: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟! كالأنعام والحرث التي حرمها الكفار، وصرح في مواضع أخر أن من قال ذلك على الله، فهو مفتر عليه جل وعلا، كقوله تعالى:{وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ}(النحل:116)
وقوله تعالى:{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}(الأنعام:140)
وقوله عز وجل: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ}(يونس:59)
وطلبهم في موضع آخر طلب إعجاز أن يأتوا بالشهداء الذين يشهدون لهم أن الله حرم هذا، ونهى نبيه، صلى الله عليه وسلم، إن شهد لهم شهود زور أن يشهد معهم، وهو قوله تعالى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَـذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}(الأنعام:150)، إلى غير ذلك من الآيات.(أضواء البيان:2/14)
وبالنسبة لقوله تعالى:{قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} فيه حذف تقديره: هي للذين آمنوا وللمشركين في الحياة والدنيا، فإن أهل الشرك يشاركون المؤمنين في طيبات الدنيا، وهي في الآخرة خالصة للمؤمنين، لا حظ للمشركين فيها، وقيل: هي خالصة يوم القيامة من التنغيص والغم للمؤمنين، فإنها لهم في الدنيا قد تكون مع التنغيص والغم.(تفسير البغوي:2/157)
سائلين الله العلي القدير أن يهدينا سواء السبيل، وصراطه المستقيم، لنحل ما أحل سبحانه، ونحرم ما حرم، ونميز الطيب من الخبيث، فنأخذ من الطيب دون الخبيث، ووفقنا عز وجل إلى متابعة الحديث في الحلقة القادمة عن التنبيه بأن الخبيث والطيب لا يستويان، حسب الأمر الإلهي الموجه في القرآن الكريم لرسولنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
15 جمادى الأولى 1441هـ

تاريخ النشر 2020-01-10
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس