.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

أمره الله والناس والمؤمنين بالتقوى - الحلقة الرابعة

==========================================================

يأمر الله نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، بالتقوى في فاتحة سورة الطلاق، فيقول عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}(الطلاق:1)
وقفت الحلقة السابقة عند آيات قرآنية أمر الله المؤمنين فيها بالتقوى ثم بقيم والتزامات، وفي آيات أخرى أمر الله المؤمنين فيها بقيم والتزامات ثم بالتقوى، أي بخلاف النسق الأول، جاء ذلك في سياق الحديث عن مسائل عقائدية وتشريعية مختلفة، وفي عدد من السور، ففي الآية 119 من سورة التوبة، أمر صريح من رب العالمين لعباده المؤمنين بالتقوى، ملحقاً به أمرهم أن يكونوا مع الصادقين، ومن نظير ذلك أمرهم في الآية 70 من سورة الأحزاب بالتقوى، ثم أمرهم بأن يقولوا قولاً سديداً، وفي الآية 278 من سورة البقرة، أمر الله المؤمنين بأن يذروا ما بقي من الربا بعد أمرهم العام بالتقوى، وفي الآية 35 من سورة المائدة أمروا بابتغاء الوسيلة إلى الله والجهاد في سبيله، بعد أمرهم بالتقوى كذلك، أما في الآيات الكريمة 2 و8 و11 و57 من سورة المائدة، وفي الآيات 1 و10 و12 من سورة الحجرات، وفي الآية التاسعة من سورة المجادلة، فقد جاءت بأوامر ونواهٍ، ثم ألحق بها الأمر بالتقوى في النص نفسه، مما يدل على أن الأمر بالتقوى، وإن تعددت مواضعه وصيغه وأساليبه، إلا أنه يتعلق بالتزام بالغ الأهمية، والحاجة إليه في تعديل أنماط السلوك، وتعزيز الإيجابي منها، وإطفاء السلبي، وأن التقوى ذات صلة وثيقة بمختلف أنواع السلوك، ودونها يكون الخلل والاعوجاج، والزيغ عن الحق، والتعرض لمخاطر التلبس بصفات المنحرفين عن منهج الله القويم.

أمر مشترك
في الآية القرآنية أعلاه التي افتتحت بها سورة الطلاق، أمر مشترك من الله بالتقوى لنبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين برسالته السماوية، جاء في أضواء البيان، أن قوله تعالى: {يا أيُّهَا النَّبِيُّ} النداء للنبي، صلى الله عليه وسلم، وقوله:{إِذَا طَلَّقْتُمُ} خطاب لعموم الأمة، قالوا: كان النداء للنبي، صلى الله عليه وسلم، والخطاب للأمة تكريماً لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتكليفاً للأمة، وقيل: خوطبت الأمة في شخصية الرسول، صلى الله عليه وسلم، كخطاب الجماعة في شخصية رئيسها.(أضواء البيان:8/208-209)
وجاء في تفسير البحر المحيط، أن الخطاب في هذه الآية الكريمة له عليه الصلاة والسلام، جاء بصيغة مخاطبة الجمع على سبيل التعظيم، أو لأمته على سبيل تلوين الخطاب، أقبل عليه السلام أولاً، ثم رجع إليهم بالخطاب، أو على إضمار القول، أي قل لأمتك إذا طلقتم، أو له ولأمته، وكأن ثم محذوف تقديره: (يا أيها النبي، وأمة النبي إذا طلقتم) فالخطاب له ولهم، أي أنت وأمتك.(تفسير البحر المحيط:8/277)
وقال الزمخشري: خص النبي، صلى الله عليه وسلم، بالنداء، وعم بالخطاب؛ لأنّ النبي إمام أمّته، وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم يا فلان، افعلوا كيت وكيت، إظهاراً لتقدّمه، واعتباراً لترؤسه، وأنه مدرة قومه، ولسانهم، والذي يصدرون عن رأيه، ولا يستبدون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادّاً مسدّ جميعهم.(الكشاف:4/554)
وقوله تعالى:{وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ} قال مقاتل: اخشوا الله، فلا تعصوه فيما أمركم.(التفسير الكبير:30/29) أي في جميع أموركم، وخافوه في حق الزوجات المطلقات.(تفسير السعدي:1/869)
فمن صيغ أمر الله بالتقوى في القرآن الكريم، التوجه به للنبي، صلى الله عليه وسلم، ولأمته في السياق نفسه.

أمر أهل الكتاب بالتقوى
أهل الكتاب من أصناف الناس الذين تلقوا الأمر بالتقوى، حيث وجه الله أمراً مشتركاً بها لهم وللمؤمنين، في قوله تعالى:{...وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ...} (النساء:131)
يقول الرازي: المراد بالآية أن الأمر بتقوى الله شريعة عامة لجميع الأمم، لم يلحقها نسخ، ولا تبديل، بل هو وصية الله في الأولين والآخرين.(التفسير الكبير:11/56)
وفي تفسير البحر المحيط، أن معنى {وصينا} أمرنا أو عهدنا إليهم وإليكم، و{من قبلكم} يحتمل أن يتعلق بـ (أوتوا)، وهو الأقرب، أو بـ{وصينا}، والمعنى أن الوصية بالتقوى هي سنة الله مع الأمم الماضية، فلستم مخصوصين بهذه الوصية، و{الذين أوتوا الكتاب} هو عام في الكتب الإلهية، ولا ضرورة تدعو إلى تخصيص الذين أوتوا الكتاب باليهود والنصارى، كما ذهب إليه بعض المفسرين؛ لأن وصية الله بالتقوى لم تزل مذ أُوجد العالم، فليست مخصوصة باليهود والنصارى.(تفسير البحر المحيط:3/382)
فلم يكن من قبيل الصدفة أن اشترك المسلمون وأهل الكتاب في تلقي الأمر بالتقوى من رب العالمين، فالأمر مقصود، يؤكد أن الله أمر بها عباده السابقين واللاحقين، وسيبقى الأمر بها لأهميتها قائماً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فهذه وقفة أخرى مع بعض مناحي الأمر الرباني بالتقوى، عسى أن ييسر الله العلي القدير متابعة الوقوف عند مزيد منها، وأن يشرح الله صدورنا لهداه، وأن يلهمنا تقواه، لننال حبه سبحانه ورضاه وحب نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
30 جمادى الآخرة 1442هـ

تاريخ النشر 2021-02-12
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس