.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

أمره الله والناس والمؤمنين بالتقوى - الحلقة التاسعة

==========================================================

يعد الله المتقين بعقبى الدار، فيقول عز وجل:{مثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وظلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ}(الرعد:35)
في سياق بيان فضل التقوى والمثوبة عليها، وقفت الحلقة السابقة عند إسكان المتقين غرفاً من فوقها غرف في الجنة، تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، وهم فيها آمنون، وأنهم يساقون إليها زمراً، أي جماعة بعد جماعة، والمراد بذلك السوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرضوان، وأن تفتح لهم أبوابها فتح إكرام.

عقبى الذين اتقوا
لفظ {عقبى} في القرآن الكريم لم يرد إلا خمس مرات، وذلك في أربع آيات من سورة الرعد، منها الآية 35 المثبت نصها أعلاه، والتي تكرر فيها ذكر لفظ عقبى مرتين، إحداهما أضيف إليها الذين اتقوا، والأخرى أضيف إليها الكافرون، يقول الرازي: بأن {عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ} يعني عاقبة أهل التقوى هي الجنة، وعاقبة الكافرين النار، وحاصل الكلام من هذه الآية أن ثواب المتقين منافع خالصة عن الشوائب، موصوفة بصفة الدوام.(التفسير الكبير، 19/47)
أما الآيات الثلاث الأخرى، فقد اشتركت بختم كل منها بعبارة (عُقْبَى الدَّارِ) مع اختصاص كل منها بصياغة معينة، ففي الآية 22 لخص جزاء المصلين والمنفقين سراً وعلانية، والذين يَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، بأن لهم عقبى الدار، فقال عز وجل: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد:22)، ولا ريب أن الصفات المذكورة هي من صفات المتقين، وقيل: إن هذه الآية نزلت في الأنصار، ثم هي عامة في كل مؤمن اتصف بهذه الصفات، و{عُقْبَى الدَّارِ} يعني الجنة، ويحتمل أن يريد بالدار الآخرة، وأضاف العقبى إليها؛ لأنها فيها، ويحتمل أن يريد بالدار الدنيا، وأضاف العقبى إليها؛ لأنها عاقبتها.(التسهيل لعلوم التنزيل، 2/134)
ويرجح الرازي أن تكون الجنة هي المرادة هنا؛ لأن الجنة هي التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا، ومرجع أهلها، قال الواحدي: العقبى كالعاقبة، والمعنى أولئك لهم أن تعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة. (التفسير الكبير، 19/35)
وفي الآية 24 من سورة الرعد، أشير إلى حسن جزاء المتقين، بمدح عقبى الدار التي فازوا بها، فقال تعالى: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}(الرعد:24)
وفي الآية 42 من سورة الرعد، ذكرت عقبى الدار في سياق تبكيت الكافرين، فقال عز وجل: {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ}(الرعد:42)
يرى الزمخشري أن المراد بالدار هنا هي الدنيا، وعاقبتها وعُقباها أن يُختم للعبد بالرحمة والرضوان، وتلقي الملائكة بالبشرى عند الموت.(الكشاف، 3/415-416)

العاقبة للتقوى
بخلاف لفظ {عُقبى} فقد ذُكر لفظ {عاقبة} إحدى وثلاثين مرة في القرآن الكريم، منها ثلاث مرات أضيف إليها المتقون، ومرة أضيفت إليها التقوى، ومرة أضيفت إليها الدار، فقال تعالى: {...إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(الأعراف: 128)
وقال عز وجل: {...فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} (هود: 49)
وقال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص:83)
وقال جل شأنه: {...وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} (طه:132)
وقال عز وجل: {...فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} (الأنعام:135)
والجدول الآتي يظهر توزيع ورود لفظ العاقبة في القرآن الكريم، حسب ما أضيف إليه في مرات ذكره الإحدى والثلاثين:
تسلسل ذكر العاقبة المضاف إليه السورة الآية تسلسل ذكر العاقبة المضاف إليه السورة الآية
1 لله الحج 41 16 المجرمين الأعراف 84
2 لقمان 22 17 النمل 69
3 المتقين الأعراف 128 18 الظالمين يونس 39
4 هود 49 19 القصص 40
5 القصص 83 20 المنذَرين يونس 73
6 للتقوى طه 132 21 الصافات 73
7 الدار الأنعام 135 22 مكرهم النمل 51
8 القصص 37 23 الذين أساؤوا الروم 10
9 المكذبين آل عمران 137 24 الذين من قبلهم يوسف 109
10 الأنعام 11 25 الروم 9
11 النحل 36 26 فاطر 44
12 الزخرف 25 27 غافر 21
13 المفسدين الأعراف 86 28 غافر 82
14 الأعراف 103 29 محمد 10
15 النمل 14 30 الذين من قبلُ الروم 42
31 أمرها خسرا الطلاق 9


المتدبر في توزيع ذكر لفظ العاقبة في القرآن الكريم، يلحظ أن معظم مواضع ذكره، أضيف إليه الأشرار، أو أمور مذمومة، فأضيف إليه: المكذبون أربع مرات، والمفسدون ثلاث، والمجرمون مرتان، ومثلهما الظالمون، وكذلك المنذَرون، ومكرهم مرة واحدة، وأخرى الذين أساؤوا السوؤى، وذكر في مجال لفت الأنظار للذين من قبل ومن قبلهم سبع مرات، واحدة منها {الذين من قبل}، والست الباقية {الذين من قبلهم}، أضيف إليه مرة واحدة كذلك {أمرها خسرا}
بينما لم يضف إلى لفظ العاقبة من أمور الخير إلا في ثماني مرات من الإحدى والثلاثين، أضيف إليه في واحدة منها إليه لفظ الجلالة (الله)، والمتقون ثلاث مرات، والتقوى مرة واحدة، ومرتان الدار.
بخلاف لفظ العقبى، الذي كانت الإضافة الأغلب إليه للتقوى والمتقين، ولم يضف إليه أهل النار إلا مرة واحدة من خمس.
سائلين الله أن يشرح صدورنا لهداه، ويلهمنا تقواه، لننال حبه ورضاه، وحب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
12 شعبان 1442هـ

تاريخ النشر 2021-03-26
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس