.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

أمره الله والناس والمؤمنين بالتقوى - الحلقة السادسة

==========================================================

يقول عز وجل: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(المائدة:112)
وقفت الحلقة السابقة عند التدبر في تكرار ورود الأمر الرباني بالتقوى لخلقه جميعاً، ومنهم الرسل، عليهم السلام، الذين حثوا أممهم على التقوى، ولذلك شواهد عديدة من القرآن الكريم، تدل على هذا الحث، حيث صدرت عن الأنبياء، عليهم السلام، أوامر لأقوامهم ووصايا بالتقوى، وتكرر الأمر بالتقوى بلفظ {فاتقوا} في القرآن الكريم سبع عشرة مرة، منها ثماني مرات في سورة الشعراء وحدها، وجاء مقروناً بطلب النبي من قومه أن يطيعوه، وذلك حسب قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}، وبلفظ {واتقوا} في الآيتين 132 و184،من سورة الشعراء، وجاء حثهم على التقوى بصيغة الاستفهام الإنكاري، المستثير للسامعين، في خمس آيات من السورة نفسها، نسب التلفظ به في الآية 106 إلى نوح، عليه السلام، وإلى هود في الآية 124، وإلى صالح في الآية 142، وإلى لوط في الآية 161، وإلى شعيب في الآية 177، ولم يتكرر ذكر هذه الصيغة في القرآن الكريم إلا مرة واحدة أخرى، وذلك في الآية 124 من سورة الصافات.
وتركيز الأنبياء، عليهم السلام، على أمر أقوامهم بالتقوى التي محلها القلوب، خلال مناقشتهم الدعوية معهم، يدل على أهميتها البالغة، وأنها من أبرز محاور الدعوة إلى الله ودينه القويم.

أمر الحواريين بالتقوى
عملاً بمنهج الأنبياء، عليهم السلام، في أمر أقوامهم بالتقوى، أمر عيسى بن مريم، عليه السلام، الحواريين بها، وبخاصة حين سألوه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، كما في الآية القرآنية الكريمة 112 من سورة المائدة، والمثبت نصها أعلاه، وفي التسهيل لعلوم التنزيل، أن قوله لهم: {اتقوا الله} يحتمل أن يكون زجراً عن طلب المائدة، واقتراح الآيات، ويحتمل أن يكون زجراً عن الشك الذي يقتضيه قولهم: هل يستطيع ربك؟ أو عن البشاعة التي في اللفظ، وإن لم يكن فيه شك.(التسهيل لعلوم التنزيل، 1/193(
وجاء في التفسير الكبير، أن فيه وجهين، الأول: قال عيسى {اتقوا الله} في تعيين المعجزة، فإنه جار مجرى التعنت والتحكم، وهذا من العبد في حضرة الرب جرم عظيم، ولأنه أيضاً اقتراح معجزة بعد تقدم معجزات كثيرة، وهو جرم عظيم. الثاني: أنه أمرهم بالتقوى لتصير التقوى سبباً لحصول هذا المطلوب، كما قال: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}(الطلاق: 2-3)(التفسير الكبير 12/108)

أمر المؤمنين وأولي الألباب بالتقوى
ضمن الأوامر الصريحة والضمنية للمؤمنين بالتقوى، يخاطبهم رب البرية في سياق الحث على إعداد الزاد للآخرة، فيقول عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(الحشر:18)
جاء في أضواء البيان، أن النداء أولاً بالتقوى لخصوص المؤمنين، والأمر بالنظر لعموم كل نفس؛ لأن المنتفع بالتقوى خصوص للمؤمنين، والنظر مطلوب من كل نفس، فالخصوص للإشفاق، والعموم للتحذير، و(غد) تطلق على المستقبل المقابل للماضي، كما قال الشاعر:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عم
وعليه أكثر استعمالاتها في القرآن، كقوله تعالى عن إخوة يوسف: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(يوسف:12) وقوله: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً* إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ...}(الكهف:23-24) (أضواء البيان، 8/52(
فارتباط التقوى بحصائد الأعمال التي تتم المحاسبة عليها في الآخرة وثيق، ففيها النجاة والفوز المبين.
وتخلل أمر الله للمؤمنين بالتقوى، أمرهم بحق تقاته، فقال جل شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}(آل عمران:102(
قيل: إن {حَقَّ تُقَاتِهِ} نسخها {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ...}(التغابن:16)، وقيل: لا نسخ؛ إذ لا تعارض، فإن العباد أمروا بالتقوى على الكمال فيما استطاعوا؛ تحرزا من الإكراه وشبهه. (التسهيل لعلوم التنزيل، 1/115)
يذكر الزمخشري أن {حق تقاته} واجب تقواه، وما يحق منها، وهو القيام بالواجب، واجتناب المحارم ونحوه، و{فاتقوا الله ما استطعتم}(التغابن: 16)، يريد بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئاً، وعن عبد الله -ابن مسعود- : هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. (الكشاف، 1/422- 423)

خير الزاد التقوى
تخلل الأوامر القرآنية بالتقوى، بيان أنها خير الزاد، فقال عز وجل: {الحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} (البقرة:197) وعن سبب نزول هذه الآية الكريمة، يقول ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما: (كان أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فإذا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا الناس، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {وَتَزَوَّدُوا فإن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى})(صحيح البخاري، كتاب الحج، باب قول الله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} (البقرة: 197))
قال بعضهم: معناه تزودوا لسفر الدنيا بالطعام، وتزودوا لسفر الآخرة بالتقوى، فإن خير الزاد التقوى، ويقال: {خَيْرَ الزَّادِ} هو التوكل على الله، وأن لا يؤذي أحداً لأجل الزاد والطعام. (تفسير السمرقندي، 1/159(
فهذه وقفة أخرى مع بعض مناحي الأمر الرباني بالتقوى، عسى أن ييسر الله العلي القدير متابعة الوقوف عند مزيد منها، وأن يشرح الله صدورنا لهداه، وأن يلهمنا تقواه، لننال حبه سبحانه ورضاه، وحب نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

تاريخ النشر 2021-02-26
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس