.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

بشره ربه بهزيمة جمع أعدائه وأنهم سيولون الدبر - الحلقة الأولى

==========================================================

عن ابن عَبَّاسٍ، قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم بَدْرٍ: (اللهم إني أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللهم إن شِئْتَ لم تُعْبَدْ، فَأَخَذَ أبو بَكْرٍ بيده، فقال: حَسْبُك،َ فَخَرَجَ وهو يقول:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)(صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم...}الأنفال:9-13)
يعبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن يقينه وثقته بنصر الله له وللإسلام والمسلمين، على الرغم مما كانوا فيه من شدة وبلاء وحصار صعب، وضيق خناق، فدعا ربه أن ينجز له عهده ووعده بالنصر والتمكين، مذيلاً دعاءه بما يؤكد يقينه وثقته بتغير الحال بينه وبين أعدائه لصالحه ودينه وهزيمتهم، فالله جل في علاه طمأن الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، والثلة المؤمنة معه، ووعدهم وبشرهم بأن عنجهية أعدائهم الذين ناصبوهم العداء ستنتهي إلى خيبة، تتمثل في هزيمتهم وتوليتهم الدبر متقهقرين، قال سبحانه في خواتيم سورة القمر:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}(القمر:45)

جمع الضلال وتحقق هزيمته
المقصود بالجمع المشار إليهم في الآية القرآنية الكريمة أعلاه من سورة القمر، هم كفار قريش وصناديدها، فقد جاء في التسهيل لعلوم التنزيل أن هذا وعد من الله لرسوله بأنه سيهزم جمع قريش، وقد ظهر ذلك يوم بدر وفتح مكة.(التسهيل لعلوم التنزيل:4/82)
جاء في عمدة القاري، أن قوله: (أنشدك) أي أطلبك، يقال: نشدتك الله، أي سألتك بالله، كأنك ذكرته، وقوله:(عهدك) نحو قوله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ*إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ* وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}(الصافات:171-173)، وقوله: (ووعدك) نحو قوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ ...}(الأنفال:7) وقوله: (حسبك) أي يكفيك ما قلت.(عمدة القاري:14/193)


عن عُمَر بن الْخَطَّابِ، رضي الله عنه، قال: (لَمَّا كان يَوْمُ بَدْرٍ... نَظَرَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إلى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثلاثمائة وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللهم أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي، اللهم آتِ ما وَعَدْتَنِي، اللهم إن تُهْلِكْ هذه الْعِصَابَةَ من أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ في الأرض، فما زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حتى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عن مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أبو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ على مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ من وَرَائِهِ، وقال: يا نَبِيَّ اللَّهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فإنه سَيُنْجِزُ لك ما وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ من الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} فَأَمَدَّهُ الله بِالْمَلَائِكَةِ)(صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم)
قال الخطابي: قد يشكل معنى هذا الحديث على كثير من الناس؛ وذلك إذا رأوا نبي الله يناشد ربه في استنجاز الوعد، وأبو بكر، رضي الله تعالى عنه، يسكن منه، فيتوهمون أن حال أبي بكر بالثقة بربه والطمأنينة إلى وعده أرفع من حاله، وهذا لا يجوز قطعاً، فالمعنى في مناشدته وإلحاحه في الدعاء، الشفقة على قلوب أصحابه، وتقويتهم إذ كان ذلك أول مشهد شهدوه في لقاء العدو، وكانوا في قلة من العدد والعدد، فابتهل في الدعاء وألح؛ ليسكن ذلك ما في نفوسهم إذا كانوا يعلمون أن وسيلته مقبولة، ودعوته مستجابة، فلما قال له أبو بكر مقالته، كف عن الدعاء، إذ علم أنه استجيب له بما وجده أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة، حتى قال له هذا القول، ويدل على صحة ما تأولناه، تمثله على أثر ذلك بقوله:{سيهزم الجمع ويولون الدبر} وفيه تأنيس من استبطأ كريم ما وعده الله به، من النصر والبشرى لهم بهزم حزب الشيطان، وتذكيرهم بما نبههم به من كتابه عز وجل، والمراد من الجمع جمع كفار مكة يوم بدر، فأخبر الله تعالى أنهم سيهزمون، ويولون الدبر؛ أي الإدبار، فوحدوا لمراد الجمع) (عمدة القاري:14/193)

الاعتبار من هزيمة جمع الضلال
هزيمة جمع كفار قريش وأشياعهم من أعداء الأنبياء السابقين، عليهم السلام، تبشر بهزيمة جموع الضلال، وأحزاب الغي في الزمان كله، فقوله تعالى:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) لا يقتصر على حادثة تاريخية وقعت في زمن النبوة وحسب، وإنما هو وعد للأوغاد بالطامة والهزيمة، وإن جريان ظواهر الأمور لصالحهم في حقب زمانية عابرة، ينبغي أن لا يخدع بصير، إذ العبرة بالعواقب والخواتيم، فجمع قريش قبل هزيمتهم، تمادوا في الغي والعنجهية والصلف، حتى جاءهم أمر الله الموعود، فكانت هزيمتهم مزلزلة، وانقلب على إثرها المشهد، وأعداء الإسلام اليوم سيأتيهم يوم يندمون فيه عما اقترفوا من جرائم ضده، مصداقاً لقوله عز وجل:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً} (الفرقان:27)، وإذا ما استذكر المؤمنون هذه الحقيقة العقائدية بيقين وثقة، فإنهم يبقون يرقبون نصر الله لهم، حتى وهم يواجهون أصعب المواقف وأعتاها، فإنما النصر صبر ساعة، وإن ينصرهم الله فلا غالب لهم، وإنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً، وإن غداً لناظره قريب.
آملين التمكن في الحلقة القادمة من متابعة الحديث عن البشارة الربانية بهزيمة جموع الضالين، وأنهم سيولون الدبر، طال الزمان أو قصر، ونسأله سبحانه أن يرزقنا اليقين بنصره، والثقة بوفاء عهده لنا ووعده، كما كان منه سبحانه لنبينا، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه ووالاه بإحسان إلى يوم الدين.
27 ربيع أول 1442هـ

تاريخ النشر 2020-11-13
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس