.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

سياسته مع الأحمق المطاع - الحلقة الثالثة

==========================================================

عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال:(تَجِدُونَ الناس مَعَادِنَ، خِيَارُهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الْإِسْلَامِ إذا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ خَيْرَ الناس في هذا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ له كَرَاهِيَةً، وَتَجِدُونَ شَرَّ الناس ذَا الْوَجْهَيْنِ، الذي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ)(صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب قول الله تعالى:{ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات: 13)
وقفت الحلقة السابقة عند خص حمقى وبعض من كانوا على شاكلتهم بعطايا، حيث وردته صلى الله عليه وسلم، ذهيبة، فَقَسَمَهَا بين أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، كان منهم عيينة بن حصن الفزاري، الأحمق المطاع، وذلك ليستميل قلوبهم، ويبعد عن المسلمين شرهم، ووقفت الحلقة عند حكمته صلى الله عليه وسلم، كقائد ونجاعة سياسته، حيث رفض الإذن لخالد بن الوليد بقتل من تطاول في المخاطبة والاحتجاج، فقال لخالد:(لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي) مما يؤكد عمق نظره صلى الله عليه وسلم، وبالغ حكمته في السياسة التي انتهجها مع صنوف الناس الذين خالطوه وقابلوه، أيضاً منعه عمر من قتل زعيم النفاق عبد الله بن أبي، بعد مقولته:(والله لَئِنْ رَجَعْنَا إلى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ منها الْأَذَلَّ) فَقَامَ عُمَرُ، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هذا الْمُنَافِقِ، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ الناس أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ).

الناس معادن وخيارهم إذا فقهوا
في الحديث الشريف أعلاه يشبه صلى الله عليه وسلم، الناس بالمعادن، مستطرداً في البيان بأن خِيَارهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الْإِسْلَامِ، إذا فَقِهُوا، جاء في فتح الباري، أن المراد بـ(الناس معادن)، أي أصولا مختلفة، والمعادن جمع معدن، وهو الشيء المستقر في الأرض، فتارة يكون نفيساً، وتارة يكون خسيساً، وكذلك الناس.
ووجه التشبيه في قوله:(خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام) أن المعدن لما استخرج، ظهر ما اختفى منه، ولا تتغير صفته، فكذلك صفة الخيرية، لا تتغير في ذاتها، بل من كان خيراً في الجاهلية، فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس، فإن أسلم استمر شرفه، وكان أشرف ممن أسلم من المشروفين في الجاهلية.
وأما قوله: (إذا فقهوا) ففيه إشارة إلى أن الخيرية في الإسلام لا تتم إلا بالتفقه في الدين، وعلى هذا فينقسم الناس أربعة أقسام، مع ما يقابلها، الأول: شريف في الجاهلية، أسلم وتفقه، ويقابله مشروف في الجاهلية، لم يسلم، ولم يتفقه، الثاني: شريف في الجاهلية، أسلم، ولم يتفقه، ويقابله مشروف في الجاهلية، لم يسلم، وتفقه، الثالث: شريف في الجاهلية، لم يسلم، ولم يتفقه، ويقابله مشروف في الجاهلية أسلم، ثم تفقه، الرابع: شريف في الجاهلية، لم يسلم، وتفقه، ويقابله مشروف في الجاهلية، أسلم، ولم يتفقه، فأرفع الأقسام من شرف في الجاهلية، ثم أسلم، وتفقه، ويليه من كان مشروفاً، ثم أسلم، وتفقه، ويليه من كان شريفاً في الجاهلية، ثم أسلم، ولم يتفقه، ويليه من كان مشروفاً، ثم أسلم، ولم يتفقه، وأما من لم يسلم، فلا اعتبار به، سواء كان شريفاً أم مشروفاً، وسواء تفقه أم لم يتفقه، والله أعلم.
والمراد بالخيار والشرف، وغير ذلك، من كان متصفاً بمحاسن الأخلاق، كالكرم والعفة والحلم وغيرها، متوقياً لمساويها، كالبخل والفجور والظلم وغيرها.(فتح الباري:6/529- 530، بتصرف)

شر الناس
في سياق فرز خيار الناس من مجملهم، فالناس معادن، لا يتساوى من كان منهم نحاساً مع من يكون ذهباً، فقد أخبر عليه الصلاة والسلام، أن شر الناس ذو الوجهين، كما جاء في الحديث الشريف أعلاه، وفي الحديث الذي تصدر الحلقة الأولى جاء:(... إِنَّ شَرَّ الناس عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يوم الْقِيَامَةِ، من تَرَكَهُ الناس اتِّقَاءَ شَرِّهِ)(صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب لم النبي، صلى الله عليه وسلم، فاحشاً ولا متفحشاً)
جاء في عمدة القاري، أن قوله: (ذا الوجهين) مفعول ثان لقوله: (تجدون شر الناس)، وذو الوجهين هو المنافق، وهو الذي يمشي بين الطائفتين بوجهين، يأتي لإحداهما بوجه، ويأتي للأخرى بخلاف ذلك، وقال الله تعالى:{مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}(النساء:143) قال المفسرون: مذبذبين يعني المنافقين، متحيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهراً وباطناً، ولا هم مع الكفار ظاهراً وباطناً، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى هؤلاء.(عمدة القاري:16/69)
وعن ابن عُمَرَ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال:(مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بين الْغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إلى هذه مَرَّةً، وَإِلَى هذه مَرَّةً)(صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم)، ومعنى العائرة المترددة الحائرة، لا تدرى لأيهما تتبع، ومعنى تعير: أي تُردد وتذهب.( صحيح مسلم بشرح النووي:17/128)
والمقصود بقوله: (بين الغنمين) أي القطيعين من الغنم، وبقوله:(تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة) أي تعطف على هذه، وعلى هذه، لا تدري أيهما تتبع، لأنها غريبة؛ ليست منهما، فكذا المنافق لا يستقر بالمسلمين ولا بالكافرين، بل يقول لكل منهم أنا منكم.(التيسير بشرح الجامع الصغير:2/373)
فهذه وقفة أخرى عند حماقة بعض الناس وشرهم، على أمل التمكن من متابعة الوقوف عند منهجية التعامل مع الحمقى المطاعين، وفق ما تجلى في سياسة رسولنا، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

27 جمادى الآخرة 1441هـ

تاريخ النشر 2020-02-21
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس