.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

سياسته مع الأحمق المطاع - الحلقة الثانية

==========================================================

عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قال:(بَعَثَ عَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ، رضي الله عنه، إلى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، من الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ في أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ، لم تُحَصَّلْ من تُرَابِهَا، قال: فَقَسَمَهَا بين أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: بين عُيَيْنَةَ بن بَدْرٍ، وَأَقْرَعَ بن حابِسٍ، وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ، وَإِمَّا عَامِرُ بن الطُّفَيْلِ، فقال رَجُلٌ من أَصْحَابِهِ: كنا نَحْنُ أَحَقَّ بهذا من هَؤُلَاءِ! قال: فَبَلَغَ ذلك النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا تأمنوني، وأنا أَمِينُ من في السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً؟!! قال: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الْإِزَارِ، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ، قال: وَيْلَكَ، أولست أَحَقَّ أَهْلِ الأرض أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ؟!! قال: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، قال خَالِدُ بن الْوَلِيدِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قال: لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي، فقال خَالِدٌ: وَكَمْ من مُصَلٍّ يقول بِلِسَانِهِ ما ليس في قَلْبِهِ؟ قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: إني لم أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عن قُلُوبِ الناس، ولا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ...)(صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب، عليه السلام...)
تعرضت الحلقة السابقة لمسألة الرد على الاستغراب من تناقض في ظاهر تَطَلُّقَ النبي، صلى الله عليه وسلم، في وَجْهِ رجل، وَانْبَسَاطَه إليه، لما جلس بقربه، وكان قبل ذلك قد قال فيه:(بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ بن الْعَشِيرَةِ)، فوضح عليه الصلاة والسلام، ذلك، فقال: يا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا؟! مضيفاً مزيداً من التبرير لتصرفه، بقوله صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ شَرَّ الناس عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يوم الْقِيَامَةِ، من تَرَكَهُ الناس اتِّقَاءَ شَرِّهِ)
وأشير إلى أن الشخص المقصود في ذلك الحديث هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وصف بالأحمق المطاع، وكان موصوفاً بالشجاعة والجهل والجفاء، ويتبعه الآلاف، وعلى شاكلته كثيرون، بل تفوق حماقة بعضهم ما كان لديه، وتم التعريج على الفرق بين المداراة والمداهنة، بناء على ما تضمنه الحديث الشريف المثبت في صدر الحلقة السابقة.

خص حمقى وبعض من كانوا على شاكلتهم بعطايا
في حديث أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أعلاه، خص الرسول، صلى الله عليه وسلم، الأحمق المطاع بجزء من عطاء ورده، وكان عبارة ذهيبة لم تخلص من ترابها وتصف حتى يثبت منها التبر.(مشارق الأنوار:1/205) والذهيبة تصغير ذهبة.(عمدة القاري:18/7)، فَقَسَمَهَا بين أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، كان منهم عيينة، وذلك جزء من سياسته معه وأمثاله، ليستميل قلوبهم، ويبعد عن المسلمين شرهم، حتى إن بعض من لم يفقهوا أبعاد هذه السياسة الحكيمة، ولم يستوعبوا مراميها، احتجوا على هذا الإعطاء، فقال أحدهم:(كنا نَحْنُ أَحَقَّ بهذا من هَؤُلَاءِ)، وبلغ بأحدهم أن قال: (يا رَسُولَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ)، ورغم حزمه صلى الله عليه وسلم، وعمق رده عليهما، فقال للأول:(ألا تَأْمَنُونِي وأنا أَمِينُ من في السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً؟)، وقال للثاني:(وَيْلَكَ، أو لست أَحَقَّ أَهْلِ الأرض أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ؟!!)، لكنه لم يأذن بالانتقام منهما، أو تصفيتهما، فقد استأذنه خالد بن الوليد في قتل معترض منهما، فلم يأذن له صلى الله عليه وسلم. وقد وصف هذا الرجل بأنه غائر العينين، أي أن عينيه داخلتان في محاجرهما، لاصقتان بقعر الحدقة، وهو ضد الجحوظ، و(مشرف الوجنتين) أي بارزهما، والوجنتان العظمان المشرفان على الخدين، و(نَاشِزُ الْجَبْهَةِ) أي مرتفع الجبهة، و(كث اللحية) كثير شعرها، و(محلوق الرأس) كانوا لا يحلقون رؤوسهم، وكانوا يفرقون شعورهم، و(مشمر الإزار) أي رافعه عن الكعب.(عمدة القاري:18/8)

حكمة القائد ونجاعة سياسته
لما رفض عليه الصلاة والسلام، الإذن لخالد بن الوليد بقتل من تطاول في المخاطبة والاحتجاج، قال:(لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي) مما يؤكد بعد نظره صلى الله عليه وسلم، وبالغ حكمته في السياسة التي انتهجها خلال تعامله مع صنوف الناس الذين خالطوه وقابلوه.
وأضاف صلى الله عليه وسلم، في تفسير سياسته والإفصاح عنها، فقال:(إني لم أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عن قُلُوبِ الناس، ولا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ) وأراد بقوله:(أن أنقب) أنه أمر بالأخذ بظواهر الأمور، والبواطن لا يعلمها إلاَّ الله. وقال القرطبي: إنما منع قتله، وإن كان قد استوجب القتل؛ لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه.(عمدة القاري:18/8-9)
ويؤكد ما ذهب إليه القرطبي في هذا التعليل قوله صلى الله عليه وسلم، في حادثة مشابهة، لما بلغته مقولة زعيم النفاق عبد الله بن أبي: (والله لَئِنْ رَجَعْنَا إلى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ منها الْأَذَلَّ) فَقَامَ عُمَرُ، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هذا الْمُنَافِقِ، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ الناس أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ أَكْثَرَ من الْمُهَاجِرِينَ حين قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، ثُمَّ إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ)(صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة المنافقين، باب قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}(المنافقون:6))
فهذه وقفة أخرى عند حماقة أناس ورعونتهم، على أمل التمكن من متابعة الوقوف عند منهجية التعامل مع الحمقى المطاعين وفق ما تجلى في سياسة رسولنا صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

20 جمادى الآخرة 1441هـ

تاريخ النشر 2020-02-14
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس