.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

سياسته مع الأحمق المطاع - الحلقة الرابعة والأخيرة

==========================================================

عن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال:(قَدِمَ عُيَيْنَةُ بن حِصْنِ بن حُذَيْفَةَ، فَنَزَلَ على ابن أَخِيهِ الْحُرِّ بن قَيْسٍ، وكان من النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، وكان الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا، كَانُوا أو شُبَّانًا، فقال عُيَيْنَةُ لابن أَخِيهِ: يا ابن أَخِي، هل لك وَجْهٌ عِنْدَ هذا الْأَمِيرِ، فَاسْتَأْذِنْ لي عليه؟ قال: سَأَسْتَأْذِنُ لك عليه، قال ابن عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ، فَأَذِنَ له عُمَرُ، فلما دخل عليه، قال: هِيْ يا ابن الْخَطَّابِ، فَوَاللَّهِ ما تُعْطِينَا الْجَزْلَ، ولا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ حتى هَمَّ أن يوقع بِهِ، فقال له الْحُرُّ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال لِنَبِيِّهِ، صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عن الْجَاهِلِينَ}، وَإِنَّ هذا من الْجَاهِلِينَ، والله ما جَاوَزَهَا عُمَرُ حين تَلَاهَا عليه، وكان وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ)(صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة الأعراف، باب {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}(الأعراف: 199))
وقفت الحلقة السابقة عند تشبيه الناس بالمعادن، وأن خِيَارهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الْإِسْلَامِ، إذا فَقِهُوا، ومثلما أن المعادن لا تتساوى في النفع والقيمة، وكذلك الناس لا يتساوون في الخير والشر، وشرهم ذو الوجهين، الذي يأتي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وفي حديث آخر ذُكِرَ صنف آخر من شر الناس عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يوم الْقِيَامَةِ، وهو من تَرَكَهُ الناس اتِّقَاءَ شَرِّهِ.

الأحمق المطاع من الجاهلين
عيينة بن حصن الفزاري، الملقب بالأحمق المطاع، واصل حماقته في مواقف ثبتت صحة أخبارها بعد وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، ففي حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، أعلاه، انتهز عيينة فرصة الإذن له بمقابلة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وقام بالتعبير عما يجول في باطنه من نفاق وزيغ، فقال لعمر:(هِيْ يا ابن الْخَطَّابِ، فَوَ اللَّهِ ما تُعْطِينَا الْجَزْلَ، ولا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ) فَغَضِبَ عُمَرُ حتى هَمَّ بِهِ، فأشار عليه الحر بن قيس بانتهاج سياسة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، التي تلقّى مبادئها من ربه، وذكره بقوله تعالى لنبيه، صلى الله عليه وسلم:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}(الأعراف:199)، واستطرد الحر مبيناً:(وَإِنَّ هذا من الْجَاهِلِينَ).
واللطيف أن عمر، رضي الله عنه، قبل من الحر هذا التذكير، فأخذ بمضمونه، وأعرض عن الأحمق، حيث جاء في الخبر أعلاه:(والله ما جَاوَزَهَا عُمَرُ حين تَلَاهَا عليه، وكان وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ).

السياسة مع الحمقى تحتاج إلى من يفهمها وينتهجها
الناس ليسوا متساوين في الفهم والاستيعاب للأمور والمواقف، فدرجاتهم في ذلك متفاوتة، فالمواقف من الحمقى والسياسة الناجعة في معاملتهم والمفعمة بكظم الغيظ مع أخذ الحيطة والحذر منهم، هي سياسة محكمة، دلت على ذلك مواقف الرسول، صلى الله عليه وسلم، الذي تطلق وجهه للأحمق، على الرغم من علمه بحاله وصفاته، بدليل أن تطلقه له سُبق بقوله عليه الصلاة والسلام، عنه:( بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابن الْعَشِيرَةِ)(صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب لم يكن النبي، صلى الله عليه وسلم، فاحشاً ولا متفحشاً).
وما صدر من عيينة من قول فظ مع الفاروق عمر بن الخطاب، سبقته مواقف واجهها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بحسن التدبير، حسب ما جاء في حديث أبي سعيد المثبت في الحلقة الثانية، لما قسم عطية جاءته من اليمن بين عيينة وثلاثة آخرين، فقال رَجُل:(كنا نَحْنُ أَحَقَّ بهذا من هَؤُلَاءِ)! فلما بَلَغَ ذلك النبي، عليه الصلاة والسلام، قال:(ألا تأمنوني، وأنا أَمِينُ من في السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً؟!!)( صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب، عليه السلام، وخالد بن الوليد، رضي الله عنه، إلى اليمن قبل حجة الوداع)

ثمرات حسن السياسة مع الأحمق المطاع
اختيار الرد الحكيم على المواقف المستفزة، يشد الحبل على أعناق المتربصين والجاهلين، ويضيق عليهم السبل، ويحاصر كيدهم بأقل الخسائر، ويدفع فتناً جمةً، وخلافاتٍ صعبةً، فليس كل انحراف أو استفزاز يناسبه الرد عليه ببطش، وإنما قد يكفيه دحض لاذع بقول أو عبارة، تكون للمستوعب أشد في وقعها من صرامة السنان، والرسول، عليه الصلاة والسلام، أشار إلى بعض أبعاد سياسته في التعامل مع الحمقى، فرد على تساؤل عائشة حول ذلك قائلاً: (مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا)؟! مضيفاً مزيداً من التبرير لتصرفه:(إِنَّ شَرَّ الناس عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يوم الْقِيَامَةِ، من تَرَكَهُ الناس اتِّقَاءَ شَرِّهِ) (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب لم يكن النبي، صلى الله عليه وسلم، فاحشاً ولا متفحشاً).
ولما استفز سلوك الحمقى صحابته، رضي الله عنهم، لم يسمح لهم بالانتقام منهم، وقال عن أحد الحمقى:(لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي)، مضيفاً:(إني لم أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عن قُلُوبِ الناس، ولا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ)، ( صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب، عليه السلام، وخالد بن الوليد، رضي الله عنه، إلى اليمن قبل حجة الوداع) وفي موقف مستفز آخر، لما استأذن عمر بن الخطاب أن يقتل المستفز، قال له رسول الله، عليه الصلاة والسلام:(دَعْهُ،لَا يَتَحَدَّثُ الناس أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(المافقون: 6).
والشواهد لهذه السياسة الحكيمة عديدة، يمكن للباحث في سيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، أن يقف عند مزيد منها، ليكون لنا فيها عبرة وعظة وأسوة حسنة.
وبهذا نختم الحديث في هذه المرحلة عن السياسة التي ينبغي انتهاجها مع حماقة بعض الناس وشرهم، بما يتماشى مع منهجية التعامل مع الحمقى المطاعين، وفق ما تجلى في سياسة رسولنا، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

4 رجب 1441هـ

تاريخ النشر 2020-02-28
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس