.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

ولد يتيماً فآواه الله ونهاه عن قهر اليتيم

==========================================================

في سورة الضحى خطاب كريم من رب البرية لنبيه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، جاء فيه: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى* وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى* وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى* فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ* وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}(الضحى:6-11)
يُذكّر الله عز وجل في سورة الضحى نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم، ببعض آلائه عليه، حيث كان منه سبحانه الإيواء لنبيه، عليه الصلاة والسلام، بعد أن وجده يتيماً، وهداه من الضلال، وأغناه بعد العيلة، وفي مقابل هذه النعم البارزة، أمر الله نبيه، صلى الله عليه وسلم، بأن لا يقهر اليتيم، ولا ينهر السائل، وأن يحدث بنعم الله عليه.

ولادته يتيماً ونهيه عن قهر اليتيم
في يُتم النبي، صلى الله عليه وسلم، نظمت الأبيات الشعرية الآتية:

ولَّى أبــوك عن الدنيا ولم تره...... وأنت مرتهن لا زِلْتَ في الرحِمِ
وماتت الأم لمّا أنْ أنِسْتَ بها...... ولم تكن حين ولَّت بالغ الحُلمِ
ومات جدك من بعد الولوع به...... فكنتَ من بعدهم في ذروة اليُتمِ
فجاء عمك حِصْناً تستكن به...... فاختاره الموت والأعداء في الأُجمِ

وبإيوائه صلى الله عليه وسلم، بعد يتمه، ونهيه في المقابل عن قهر اليتيم، ذكرته والمسلمين من بعده سورة الضحى، المثبت عدد من آياتها أعلاه، ومما جاء في التسهيل لعلوم التنزيل بالخصوص، أن الله عدد نعمه عليه فيما مضى من عمره، ليقيس عليه ما يستقبل فتطيب نفسه، ويقوى رجاءه، و(وجد) في هذه المواضع تتعدى إلى مفعولين، وهي بمعنى علم، فالمعنى ألم تكن يتيماً فآواك، وذلك أن والده، عليه السلام، توفي، وتركه في بطن أمه، ثم ماتت أمه، وهو ابن خمسة أعوام، وقيل ثمانية، فكفله جده عبد المطلب، ثم مات وتركه ابن اثني عشر عاماً، فكفله عمه أبو طالب، وقيل لجعفر الصادق: لِمَ نشأ النبي، صلى الله عليه وسلم، يتيماً؟ فقال: لئلا يكون عليه حق لمخلوق، وفي قوله تعالى:{ووجدك ضالاً فهدى} ستة أقوال، أظهرها: وجدك ضالاً عن معرفة الشريعة، فهداك إليها، فالضلال عبارة عن التوقيف في أمر الدين، حتى جاءه الحق من عند الله، فهو كقوله:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}(الشورى:52)
والعائل في قوله تعالى:{ووجدك عائلاً فأغنى} هو الفقير، يقال: عال الرجل فهو عائل، إذا كان محتاجاً، وأعال فهو معيل، إذا كثر عياله، وهذا الفقر والغنى هو في المال، وغناؤه صلى الله عليه وسلم، هو أن أعطاه الله الكفاف، وقيل: هو رضاه بما أعطاه الله، وقيل: المعنى وجدك فقيراً إليه، فأغناك به.
والمراد بالنهي عن قهر اليتيم، أي لا تغلبه على ماله وحقه لأجل ضعفه، أو لا تقهره بالمنع من مصالحه، ووجوه القهر كثيرة، والنهي يعم جميعها، والنهر في قوله تعالى:{وأما السائل فلا تنهر} هو الانتهار والزجر، والنهي عنه، أمر بالقول الحسن، والدعاء للسائل، كما قال تعالى:{وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً}(الإسراء:28)
ويحتمل السائل أن يريد به سائل الطعام والمال، وهذا هو الأظهر، والسائل عن العلم والدين، وفي قوله:{تقهر وتنهر} لزوم مالا يلزم، من التزام الهاء قبل الراء.
ومعنى قوله تعالى:{وأما بنعمة ربك فحدث} قيل: معناه بث القرآن، وبلغ الرسالة، والصحيح أنه عموم في جميع النعم.
ولذلك كان بعض السلف يقول: لقد أعطاني الله كذا، ولقد صليت البارحة كذا، وهذا إنما يجوز إذا كان على وجه الشكر، أو ليقتدي به، فأما على وجه الفخر والرياء فلا يجوز.
وانظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا، فقابل قوله:{ألم يجدك يتيماً} بقوله:{فأما اليتيم فلا تقهر} وقابل قوله:{ووجدك ضالاً} بقوله:{وأما السائل فلا تنهر} على قول من قال: إنه السائل عن العلم، وقابله بقوله:{وأما بنعمة ربك فحدث} على القول الآخر، وقابل قوله:{ووجدك عائلاً فأغنى} بقوله:{وأما السائل فلا تنهر} على القول الأظهر، وقابله بقوله:{وأما بنعمة ربك فحدث} على القول الآخر.(التسهيل لعلوم التنزيل:4/204 -205، بتصرف)

مرافقة كافل اليتيم في الجنة
الرسول الأسوة، صلى الله عليه وسلم، الذي ولد يتيماً، ونُهيَ عن قهر اليتيم، وعد كافل اليتيم بمرافقته في الجنة، فعن سَهْلٍ، قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم:(أنا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ في الْجَنَّةِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شيئاً)(صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب اللعان)
مما يشير بوضوح إلى العناية الفائقة بالحث على رعاية اليتامى، والإحسان إليهم، فيكفي من يقوم بذلك فخراً وعزاً وسعادة، أن يحظى بمرافقة خاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم، في الجنة.
فهذه وقفة متواضعة عند بعض الأبعاد والمحاور ذات الصلة بولادته صلى الله عليه وسلم، يتيماً، وإيوائه من ربه عز وجل، ونهيه عن قهر اليتيم، والمتضمن بعضها في ثنايا سورة الضحى، عسى أن ينفع التذكير بذلك في تحقق رجاء الاهتداء إلى حسن الاقتداء والتأسي بنبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
13 ربيع أول 1442هـ

تاريخ النشر 2020-10-30
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس